الخلاص من الدولة الريعية / 2016 عدنان الجنابي

المقدمة

 
  كان إصدار كتيب "الدولة الريعية والدكتاتورية" (1) عام 2013 قد تم على عجل للتنبيه إلى خطورة النتائج الوخيمة للدولة
 الريعية في العراق آنذاك. ولم يكن لدي مجال من الوقت للتوسع في البحث حول طبيعة الدولة الريعية وتجلياتها في العراق وسبل تجنب مخاطرها. إذ كان الإهتمام بإصلاح العملية السياسية العرجاء ومحاولة إيقاف إنهيار العراق نحو الفوضى والتقسيم في المقام الأول هو الشغل الشاغل لديّ آنذاك. مما فرض توقيت النشر بسرعة، ومن دون إستكمال جوانب الموضوع المختلفة.
     ورغم كل محاولات بعض القادة السياسيين في إعادة الحكومة إلى جادة الصواب، فإن سرطان الدولة الريعية، وما رافقه من دكتاتورية الفرد الواحد، كان قد تجاوز حدود إمكانية الشفاء، مما أدى إلى إنهيار العاشر من حزيران 2014 بسقوط الموصل وما رافقه وتبعه من المزيد من التشرذم والإنحدار نحو الفوضى ومخاطر التقسيم.

    كان العراق منذ إنقلاب 1958 يعاني من أعراض الدولة الريعية المعروفة بعد أن بدأ الدخل الريعي يتزايد بسبب الزيادات في حصة الحكومة من مبيعات النفط التي شهدت طفرة كبيرة بعد تعديل إتفاقيات النفط عام 1951.  
    وإذا إستعرضنا أنظمة الحكم وخصائصها نجد أن التسلط الفردي والدكتاتورية كانت الصفات السائدة والمتزايدة لأنظمة الحكم المتعاقبة بعد عام 1958. كما نجد أن تعمق الدكتاتورية والفساد تتصاعد بشكل متزامن مع زيادات حصة النفط من الدخل الوطني، بشكل نسبي ومطلق. 

    كان حازم الببلاوي، ومن قبله ومن بعده ممن أسسوا ونظّروا وحللوا صفات الدولة الريعية، قد شخص أربع سمات للدولة الريعية: 

1- أن يكون الدخل الريعي (من النفط) هو الدخل السائد في الاقتصاد، ويشكل النسبة الأكبر من الدخل الوطني، وبالتالي من موازنة الحكومة. 

2- لا تشكل الأيدي العاملة المحلية في إنتاج النفط إلا نسبة ضئيلة من مجموع القوى القادرة على العمل في البلاد.

3- الدخل الناجم عن الريع النفطي يأتي من خارج البلاد، أي من بيع النفط إلى الدول    الأخرى،   مما يعني أن زيادة الدخل لا تتطلب تنمية إقتصادية محلية لتحقيق مداخيل أكبر للحكومة.

4- في جميع الدول الريعية تكون الحكومة هي المتلقي للدخل الريعي النفطي.
    وقد شخص جميع الباحثين في هذا المجال ميل الدول الريعية النفطية النامية إلى الدكتاتورية والإستبداد في الحكم بسبب قدرة الحاكم على تسخير أعداد كبيرة من الأجهزة القمعية لخدمته. كما يميل حكام هذه البلدان إلى إهمال الأنشطة الإنتاجية الأخرى في الاقتصاد مثل الصناعة والزراعة والسياحة والتجارة والخدمات، لأن موارد النفط تكفيهم. ولا يحتاجون في إستمرارهم في الحكم إلا إلى طبقات طفيلية من المرتزقة والفاسدين والمعتاشين على الحكومة والحاكم. أما ما عدا ذلك من منتجين وطبقة متوسطة ومثقفين وفنانين، فإما أن يكونوا معتاشين على الحاكم أو معارضين يدفع بهم النظام إلى القتل أو السجون أو الهجرة، وأحياناً إلى السكوت على مضض.
    أما حالة العراق منذ الاحتلال الأمريكي عام 2003، فهي أكثر سوءاً من الدول الريعية الأخرى في درجة إعتماد الاقتصاد على الريع النفطي وإعتماد موازنة الحكومة على إيرادات النفط. فقد رافق الاحتلال إنهاء مؤسسات الدولة التي كانت متهالكة على أية حال، تدمير ونهب البنى التحتية للدولة والإقتصاد.
    وقد تسبب إلغاء مؤسسات الدولة وقانون إجتثاث البعث، وبعض القوانين الغريبة عن طبيعة الشعب العراقي وثقافاته، إلى ظهور أمراض جديدة، وتفاقم أمراض مزمنة قديمة. وقد نجم عن إلغاء الجيش، والأجهزة الأمنية الأخرى، حرمان المجتمع من صمام الأمان الوحيد لتوفير الأمن للمواطنين. ومهما كان تحفظنا على ممارسات النظام السابق بإستعمال الجيش لقمع المعارضين، وأجزاء هامة من أبناء الشعب العراقي مثل الكورد، فإن هذه الأجهزة كانت تحتوي على عناصر محترفة قادرة على ضبط الأمن وحماية أرواح الناس وممتلكاتهم والممتلكات العامة من الفوضى والسلب والنهب. وقد أدت الفوضى الناجمة عن حل الأجهزة الأمنية فيما بعد إلى ظهور الجريمة المنظمة والإرهاب.

    ولن ينسى العراقيون، كما لن ينسى العالم كله، مشاهد حرق المنشآت العامة ونهب أموال الدولة تحت أنظار دبابات الاحتلال. ولم يسلم من ذلك النهب والتخريب حتى المتحف العراقي والبنك المركزي.

     لقد تم نهب وتدمير وحرق منشآت القطاع العام، وهي عماد الإقتصاد العراقي آنذاك. وتم تشريد عشرات الآلاف من العمال المهرة والمهندسين والفنيين وتركهم دون مصدر رزق. ومن أعيد منهم إلى مؤسسات الدولة الأخرى جعل منهم جيش من العاطلين غير المنتجين. وصار لدينا مرض تفشى في كل مرافق الدولة هو عدم الإلتزام بالدوام، وعدم الاهتمام بالعمل، ومن ثم اللجوء إلى الرشوة والفساد. وأدى تسريح الجيش والأجهزة الأمنية دون تقاعد أو دخل، إلى تحول مئات الآلاف من المحترفين المدربين على حمل السلاح وأساليب القتال، إلى الجريمة المنظمة والمقاومة، ومن ثم إلى الإرهاب تحت مختلف المسميات.
    وفي هذه الأثناء تم تجاهل الصناعة والزراعة وفتح الباب على مصراعيه أمام الإستيراد الفوضوي الذي لا قدرة للمنتجين المحليين على المنافسة معه في هذه الفوضى الإستيرادية. وتحول الريف من منتج للغذاء وداعم إقتصادي للمدن، إلى حاضنة للإرهاب وملاذ للجريمة المنظمة والتخريب.

    حاولت الحكومات المتعاقبة، من مجلس الحكم والحكومة المؤقتة والحكومة الإنتقالية إلى حكومة الولاية الثانية للمالكي، القيام بأعمال ترقيعية لإعادة بعض مؤسسات الدولة. وكان إجرأ وأهم هذه المحاولات ما قامت به الحكومة المؤقتة برئاسة الدكتور إياد علاوي. فقد بدأ بإعادة وزارة الدفاع وتشكيل نواة لجيش مهني، وإعادة جهاز المخابرات، وإعطاء رواتب وحقوق تقاعدية لبعض العسكريين والمدنيين. إلا أن هذه المحاولات لم تكتمل لقصر عمر تلك الحكومة، ولعدم إستمرار الحكومات اللاحقة بالإصلاحات التي بدأت بها الحكومة المؤقتة.

    وفي هذه الأثناء كان المفقود في العملية السياسية وفي كتابة الدستور وفي الانتخابات المتلاحقة، هو المشروع الوطني الجامع والهوية الوطنية. وبرزت على السطح الهويات الطائفية والقومية والجهوية. وصار العراق (مكونات) وليس أحزاب وأيديولوجيات وبرامج. وصارت المحاصصة الطائفية والجهوية هي الحاسم في كل الخلافات والمشاركات والإشتراكات. وفي غياب الهوية الوطنية والبرامج السياسية صار الصعود إلى المجالس النيابية والمحلية لا مجال فيه للإعتدال والوطنية والهوية العراقية. وهاجر أو صمت أكثر السياسيين الوطنيين والمعتدلين، ولحق بهم العلماء والمثقفون والفنانون. إذ لا صوت يعلو على صوت الطائفية والقومية والجهوية. فإجتثاث البعث صار سيفاً مسلطاً على كل من عمل في مؤسسات الدولة قبل عام 2003. وفي غياب مجلس الخدمة صار التعيين في دوائر الدولة لغير المؤهلين من المنتمين لأحزاب السلطة. وصار "الدمج" أساساً لتقدم مجموعة من غير المحترفين في الجيش والمؤسسات الأمنية. جرى كل هذا برعاية من زعماء الطوائف والمتسلطين على مراكز القرار، وأغلبهم من المفتقرين للخبرة في إدارة شؤون الدولة.

    ورغم أن إقليم كوردستان كان ولا يزال يشكل إستثناءً للقاعدة، فإنه لم يسلم من الأمراض الأساسية للدولة الريعية. فالإقليم لم يطبق إجتثاث البعث، ولم يسرح قواته العسكرية والأمنية السابقة (البيشمركة والأسايش) واستطاع تجاوز نهب الدولة وأموالها. كما أن قادته لهم خبرة في العمل السياسي والإدارة العامة لعقود من الزمن. إلا أن تمركز السلطة بأيدي عوائل وفئات محدودة أصبح واضحاً للعيان. كما أن الاقتصاد، رغم إزدهاره الظاهري بالإعتماد على الإستثمار الخارجي، فهو يعاني من ضعف هيكلي خطير يتمثل بعدم ظهور صناعات محلية وإنتاج زراعي مناسب وطبقة متوسطة بحجم التنمية الظاهرية. وهذا الضعف الهيكلي، الذي تسببت فيه عوائد النفط الخارجية، سوف يزيد من هشاشة التجربة التنموية الناقصة في الإقليم كلما زادت حصة النفط من الاقتصاد المحلي للإقليم. 

     وبعد مرور هذه المدة على نشر (الدولة الريعية والدكتاتورية) وما حصل للعراق، وخاصة بعد إحتلال الموصل من قبل الدولة الإسلامية، أجدني مضطراً للعودة إلى الموضوع، وبشكل يحاول طرح الحلول بوضوح وتفصيل أكثر. وهذا لا يكون منجزاً ما لم يكتمل تشخيص المرض. لذا كان لزاماً تقسيم هذا المؤلف إلى ثلاثة فصول. الأول يستعرض مجدداً وبشكل أكثر وضوحاً (أعراض الدولة الريعية). ونحتاج من وجهة النظر التحليلية إلى فصل آخر لتشخيص أهم (أعراض الدولة الريعية في العراق). وهذا ما يعالجه الفصل الثاني. أما سبل الخلاص من الدولة الريعية فيختص فيها الفصل الثالث (الخلاص من الدولة الريعية) الذي يبحث في إشكالية معالجة أمراض مزمنة ناتجة عن الدولة الريعية ومتزايدة منذ 1958، في الوقت الذي تخوض فيه البلاد حرب مريرة مع الإرهاب.


لقراءة الملف كاملاً يرجى الضغط على الرابط أدناه:

الخلاص من الدولة الريعية.pdf

مركز البحوث والدراسات العراقية
© 2013 جميع الحقوق محفوظة
تصميم وتطوير Mirage Telecom