الاقتصاد العراقي: الأزمات والتنمية/2018














     

مراجعة كتاب:

الاقتصاد العراقي: الأزمات والتنمية

 نشرت الدار العربية للعلوم ناشرون، كتاب للدكتور علي خضير مرزا بالعنوان أعلاه، يتكون من 526 صفحة من القطع الكبير (زائداً صفحات قوائم المحتويات والجداول والأشكال).

وستركز هذه المراجعة للكتاب، أساساً، على فصول وجوانب معينة منه، يعتقد المُراجع بأهميتها من وجهة نظره.

    يستعرض المؤلف التطور الاقتصادي في العراق منذ العهد العثماني مروراً بعصر النفط وإنتهاءً بالوقت الحاضر.

     لا يقتصر الكتاب على إستعراض التاريخ الاقتصادي للعراق وحاضره، بل يبحث في المعضلات التي يواجهها ويبحث بعمق في عصر النفط، ودور الأوبك، وإشكالية "الفخ الريعي"، بالإضافة إلى قضايا اقتصادية أخرى.

     ويمر بشكل تفصيلي على التخطيط في العراق من مجلس الإعمار إلى خطة التنمية الوطنية 2013-2017.

     من أهم ما قام به الدكتور علي خضير، بالإضافة إلى شمولية كتابه الذي نحن بصدده هو أسلوبه في التحليل على مستويين. المستوى الأول في السرد الذي يستطيع أي قارئ غير متخصص أن يتابعه، والمستوى الثاني، المتميز بأرقى الرصانة الأكاديمية، المفيد للمتخصصين والتدريسيين. فبالإضافة إلى الرسوم البيانية والأشكال التوضيحية المبسطة، لا يكاد أي باب من أبواب الكتاب ينتهي حتى يسوق لنا المؤلف مجموعة من المصفوفات والإحصائيات والسلاسل الزمنية، بالإضافة إلى المعطيات والشروحات التي لا يستغني عنها أي باحث أو دارس. وعلينا هنا أن نقر بالمجهود الفائق الذي بذله الدكتور علي خضير في التعامل مع الإحصائيات التي كثيراً ما تكون غير متناسقة في مرجعيتها وغير متكاملة في محتوياتها، وروضها بصبر وتحليل ليكون منها قاعدة معلومات وسلاسل زمنية مقنعة لا تتوفر في أي مرجع عن الإحصاء والتحليل لمختلف جوانب الاقتصاد العراقي.

     يناقش الدكتور علي خضير في الباب الأول تكوين العراق الحديث من زمن الحكم العثماني، والأسس المكانية لشعب وادي الرافدين، والتطور السكاني من البداوة والريف وتكون المدن بالاستيطان والهجرة، وتأسيس الدولة العراقية، وتطور الأنشطة الاقتصادية من زراعة وحرف وصناعات جنينية.

     وفي الباب الثاني يبحث في الموارد البشرية والمائية والسكان وسوق العمل. كما يبدأ من هذا المنطلق تحليل بدايات الفخ الريعي، وتوسع الدولة في الإستخدام، ومخاطر ذلك التوسع عندما تكون إمكانيات الدولة محدودة في إستيعاب الزيادة السكانية المتسارعة.

     في الباب الثالث يعالج الباحث القضايا النفطية وعلاقات العراق باللاعبين النفطيين وخاصة دوره في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك). ويستمر بمتابعة المشهد النفطي لما بعد 2003، من ناحية البنى المؤسسية والتشريعات. ويناقش ويحلل عقود الخدمة في جولات التراخيص، ومقارنتها بعقود المشاركة في الإنتاج في إقليم كردستان. ولربما يكون هذا الباب وفصوله من أكثر الأبواب فائدة للباحثين في شؤون النفط لما للدكتور علي خضير من باع طويل في عمق تحليلاته وغزارة معلوماته (للدكتور علي خضير بحوث عديدة في مجال النفط والغاز منشورة في أهم الدوريات المتخصصة بالإضافة لما قدمه في العديد من المؤتمرات العالمية حول الموضوع).

     وفي الباب الرابع، يتناول القطاعات السلعية غير النفطية. وبالإضافة للتحليل الوارد في فصلي هذا الباب، تتيح الجداول الإحصائية والسلاسل زمنية (والتي قد لا تتوفر في أي مرجع آخر بهذه الدقة والاتساع) توسعاً في التحليل لتشمل قضايا إضافية لم ترد في هذين الفصلين.

     في الباب الخامس يعالج الباحث إشكالية تقاسم الريع النفطي بين المركز والإقليم والمركز والمحافظات. ويفرد فصلاً لمناقشة نظرية توزيع عوائد النفط على أساس الدخل الأساسي الشامل (Universal Basic Income) ويخلص إلى أنه يفضل إستعمال قسم من الريع النفطي للفئات الأكثر حاجةً، كما يدعو إلى تأسيس صندوق سيادي "للتوازن" ومجابهة تقلبات أسعار النفط وتأثيراتها السلبية على الموازنات السنوية للدولة وخططها الإستثمارية.

     في الباب السادس يعالج الباحث قضايا الإدارة والسياسات الاقتصادية والخطط المتبعة منذ عام 2003، والخطط الخمسية ونقدها وعناصر الفشل فيها مما يؤدي إلى ضعف تطبيقها في غياب الإستراتيجية الواضحة تجاه القطاع العام ودوره في الاقتصاد العراقي.

     كما يتطرق إلى برنامج صندوق النقد الدولي 2016-2019 و"مشروطية" الصندوق وإيجابياتها وسلبياتها.

     ويفرد فصلين للتضخم والسياسة النقدية من جهة والتجارة الخارجية من جهة أخرى.

     ويختم الكاتب هذا المجلد الكبير بفتح النقاش حول المستقبل الإقتصادي للعراق، وإمكانية تحقيق التنويع الاقتصادي والإفلات من الفخ الريعي.

     لا بد من مقارنة هذا العمل الشمولي بما نشر من قبله لمحاولة تحديد مكانته في المكتبة الاقتصادية. نشر للدكتور محمد سلمان حسن "التطور الاقتصادي في العراق، التجارة الخارجية والتطور الاقتصادي 1864-1958" عام 1965، وبقي ذلك الكتاب، مع بقية مؤلفات أستاذنا محمد سلمان حسن، المرجع الأهم لدراسة التاريخ الاقتصادي للعراق. وصدر مؤخراً مؤلفين للدكتور صبري زاير السعدي "التجربة الاقتصادية في العراق والمشروع الاقتصادي الوطني 1951-2006" عام 2009، وصدر للدكتور مظهر محمد صالح "مدخل في الاقتصاد السياسي للعراق: الدولة الريعية من المركز إلى ديمقراطية السوق" عام 2010. كما تم نشر العشرات بل المئات من المؤلفات لاقتصاديين عراقيين وأجانب. كتاب محمد سلمان حسن يعتمد على أطروحته في جامعة أكسفورد عن دور التجارة الخارجية في التطور الاقتصادي للعراق منذ 1864. ومحدودية ذلك الكتاب هي في عدم شموليته لكل قطاعات الاقتصاد وتركيزه على التجارة الخارجية. أما مؤلف الدكتور صبري فترجع محدوديته إلى تركيزه على التخطيط الاقتصادي على حساب المباحث الأخرى. وتنبع محدودية مؤلف الدكتور مظهر من تركيزه على السياسات المالية والنقدية.

     وعند مقارنة مؤلف د. علي خضير بالمؤلفات الثلاثة المذكورة فإن ميزته هي أنه جمع في مجلد واحد كل قطاعات الاقتصاد، وتاريخها وتوجهاتها المستقبلية، وأولى القضية النفطية حقها الذي تستحقه كأكبر إشكالية في الاقتصاد العراقي. أما "ملاحقة وجداولة" فهي فريدة من نوعها لدقتها وشموليتها، بالإضافة إلى المجهود الواضح في المعاناة لتوحيد مرجعياتها وتطويعها كسلاسل زمنية لا يستغني عنها أي باحث. 

في عرضه لنمو القطاع الصناعي خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات، من القرن الماضي، لم يتطرق د. علي خضير إلى ربحية هذه الصناعات ومدى مساهمتها في الفائض الصناعي، الذي هو من ضرورات استدامتها. على سبيل المثال، بالرغم من بيانه لنمو القيمة المضافة لقطاع الصناعة التحويلية بنسبة 13.5% سنوياً بين 1970 و1980 فلقد كان ينبغي تفصيل نمو "مكونات" هذه القيمة المضافة وهي الأجور والفائض (الذي يمثل الربح اهم عنصر فيه) ومن ثم إبراز حجم ودرجة الربحية. ومما يذكر أن د. علي قام بذلك في تحليله للقطاع الصناعي في ليبيا من خلال تحليله لنقاط التعادل في الصناعة الليبية في كتابه عن ليبيا الصادر في 2012، والذي بيَّن، في المتوسط، أن هذه الصناعة تستهلك أكثر مما تضيف من موارد.

     ولا نتفق مع الدكتور أن الإنخفاض في القيمة المضافة بعد عام 1988 "لإنخفاض إنتاج الصناعات العسكرية... لتوقف الحرب" و"إجراءات الخصخصة... بغية رفع كاهل الدعم المقدم لتلك الصناعات من الميزانية العامة". فكل تلك الصناعات كانت معتاشة على الضخ الإستثماري والدعم الحكومي، بما في ذلك السياسات الحمائية، وأثبت الزمن أن تلك الصناعات غير قادرة على الاستدامة دون الدعم الحكومي.

     وأختلف مع الدكتور في أن توزيع قسم من الدخل بشكل متساوي على المواطنين غير صحيح وغير ممكن في ظروف الأزمة المالية الحالية. سبق أن أوضحت في أكثر من مناسبة ومكان أن كسر الفخ الريعي لا يكون في "التنويع" الإقتصادي الذي لن تسمح به الدولة الريعية، بل التوسع بصندوق المواطن من خلال توزيع حصة متزايدة ومتساوية من عوائد النفط تقضي على الفقر وتفعّل المادة (111) من الدستور التي جعلت النفط والغاز ملكاً للشعب العراقي.

     ختاماً أعتقد أن كتاب "الاقتصاد العراقي: الازمات والتنمية" لا يضاهيه كتاب في المكتبة الاقتصادية بالنسبة للمهتمين بالإضافة إلى أقسام الاقتصاد والإحصاء والإدارة والعلوم السياسية في الجامعات العراقية. وهو من الكتب الأكاديمية الشمولية (ويمكن أن يكون Textbook) التي تستحق أن تكون جزء من المقررات التدريسية.

 

      عدنان الجنابي 

رئيس مركز البحوث والدراسات

العراقية (مبدع)

 

 

 

 

    


مركز البحوث والدراسات العراقية
© 2013 جميع الحقوق محفوظة
تصميم وتطوير Mirage Telecom