أسعار النفط الخام في الأمد الطويل/ 2020

أسعار النفط الخام في الأمد الطويل

(من أدلمان إلى ديل)

عدنان الجنابي

بغداد - آيلول 2020

موريس أدلمان

      كان البروفسور في معهد ماسوشوستس (M.I.T.) موريس أدلمان (Maurice Adelman) من أبرز الباحثين في إقتصاديات النفط في الغرب في الستينات والسبعينات من القرن الماضي.

    نشر أدلمان بحثاً شهيراً عام 1965* عن كلفة إنتاج النفط الخام في أربع مناطق هي الولايات المتحدة وفنزويلا وأفريقيا والخليج. وتوصل في بحثه إلى أن النفط الأرخص كلفة هو في العراق حيث كانت الكلفة الكلية لإنتاج برميل من النفط فيه تبلغ (4.2) أربعة وعشري السنت فقط مكونة من كلفة إستثمارية تبلغ (3) ثلاث سنتات وكلفة تشغيلية تبلغ (1.2) سنتاً واحداً وعشري السنت. وأن كلفة إنتاج النفط في إيران هي (7) سنتات للبرميل، وفي كل من السعودية والكويت (10) عشرة سنتات. وتراوحت كلف الإنتاج في أفريقيا من (15) خمسة عشرة سنتاً في ليبيا و(64) أربعة وستون سنتاً في الجزائر. في فنزويلا كانت الكلفة (62) إثنان وستون سنتاً وفي الولايات المتحدة تراوحت الكلفة بين (1.16) دولار وستة عشرة سنتاً و(1.56) دولار وستة وخمسون سنتاً.

    إستنتج أدلمان أن إرتفاع أسعار النفط عن مستوى الكلف آنذاك لا مبرر لها لوجود نفط يكفي العالم من دول الخليج وشمال أفريقيا بكلفة تتراوح بين (12-20) سنتاً للبرميل لمدة خمسة عشرة سنة. وجادل أدلمان أن السعر التعادلي في الأمد الطويل يتطلب استهلاك النفط واطئ الكلفة أولاً، ومن ثم يتحرك السعر مع الكلف الحدية للإنتاج في الأمد الطويل، مما يوفر للعالم نفطاً وفيراً بكلف زهيدة لمديات غير قليلة من الزمن. وبالتالي، ينبغي أن تنخفض أسعار النفط وتتحرك في الأمد الطويل مع الكلفة الحدية للإنتاج.

    كان الرد على منطق أدلمان في عدة طروحات تقدم بأهمها إقتصاديون وخبراء من الدول المصدرة للنفط وأهم تلك الطروحات كانت على المحاور التالية:

     أولاً: صحيح أن السعر لأي سلعة لا بد أن يتأثر بالكلفة الحدية للإنتاج. ولكن "السعر" للنفط الخام هو سعر مشتق من السعر الذي يتعامل به المستهلك النهائي للمنتجات النفطية، وليس السعر الأولي للمادة الخام. وكانت اللجان الإقتصادية في الأوبك تعمل على دراسة مكونات كلفة المنتجات النفطية على المستهلك النهائي. وتوصلت تلك الدراسات إلى أن سعر "برميل" المنتجات النفطية يتكون في معظم الدول المستهلكة من حصة تلك الدول (الضريبة) بالإضافة إلى كلف النقل والتصفية والتوزيع. وأثبتت تلك الدراسات أن حصة الدول المنتجة من برميل المنتجات هي الأقل. وبالتالي أخذت دول الأوبك تطالب بحصة (أسعار) أكبر من قيمة البرميل النهائية. وعندما عملت رئيساً للدائرة الإقتصادية في الأوبك (1976-1980) قد دأبت على تقديم قيمة ترجيعية (Netback Price) لما يجب أن تكون عليه أسعار النفط الخام وعرضها دورياً على المؤتمرات الوزارية للمنظمة. وطالما استعملت تلك الإحصائيات كأساس لزيادة الأسعار**.

     ثانياً: النفط الخام مادة قابلة للنضوب. ويتعامل علم الإقتصاد للموارد القابلة للنضوب بأطر نظرية وتطبيقية تخرج بأسعارها من العلاقة بين العرض والطلب إلى مسار يأخذ بنظر الإعتبار المدى الزمني لإستنزاف المادة القابلة للنضوب. وبحسابات السيل النقدي المحسوم (Discounted cash flow) مما يجعل القيمة الحالية (Present value) للإنتاج في المدى البعيد أقل من قيمتها الحالية، فتكون الأسعار تصاعدية مع الزمن بنسبة الحسم السنوي ليتساوى السعر النقدي مع القيمة الحالية. ومفاد هذين العاملين، النضوب والقيمة المستقبلية، يكون مسار أسعار النفط الخام تصاعدياً كلما إبتعدنا بالزمن، وكلما إقتربنا من النضوب، بغض النظر عن كلفة الإنتاج الحالية.

    ثالثاً: النفط مادة نادرة، وله قيمة نابعة من تميزه الذاتي تجعل تسعيره يتجاوز قوانين العرض والطلب. فمن الناحية الكيماوية يتكون الهايدروكاربون النفطي من تركيبة مرنة تجعله قابل للتحول من غاز أحادي الكاربون (CH2) إلى أقوى المواد البلاستيكية صلابة. ويمكن إستخراج مركبات مختلفة منه تستعمل في جميع مناحي الحياة، بالإضافة إلى إحتواء منتجاته على أعلى كثافة حرارية لإنتاج الطاقة.

     رابعاً: في عام 1956 نشر كنك هبرت (King Hubbert) بحثاً حول بلوغ النفط قمته ومن ثم أفوله ونضوبه (Peak Oil) بموجب حسابات جيولوجية، وتنبأ بإنخفاض إنتاج الولايات المتحدة من النفط عام 1970. وهذا ما حدث فعلاً. وأشاع هذا الفكر الخوف من نضوب النفط على النطاق العالمي في أمد محدود. وزاد هذا التشاؤم قيام دول الخليج بقيادة السعودية بإستعمال النفط كسلاح في نهاية عام 1973 وبداية عام 1974 مما تسبب في أخطر أزمة في تجهيزات النفط، وكان قلق الدول المستهلكة هو أمن تجهيزات النفط (Security of Supply)، بينما كان قلق الدول المصدرة هو أمن أسواق النفط (Security of Markets). وفي هذه الأجواء تضاعفت أسعار النفط عدة مرات بين عام 1974 وعام 1980.

 

 

 

صعود وأفول الأوبك

    تأسست الأوبك في أيلول 1960 بهدف وضع حدّ لتفرد الشركات، وبالأخص لوضع حدّ لقيام تلك الشركات العالمية (الأخوات السبعة) بتخفيض الأسعار، خدمة للمستهلكين ودولهم على حساب الدول المنتجة.

    بقيت الدول المصدرة للنفط تحت رحمة كارتيل الشركات الكبرى والدول الحامية لها، خاصة بعد فشل تأميم النفط في إيران عام 1951، والإنقلاب على حكومة مصدق بدعم من المخابرات الأمريكية والمخابرات البريطانية عام 1953. ومع أن العراق أصدر قانون رقم (80) لسنة 1961، الذي تم إسترجاع (99.5%) من مساحة إمتياز شركة نفط البصرة، وتأسيس شركة النفط الوطنية العراقية عام 1965، إلا أن العراق ومنظمة الأوبك الحديثة العهد لم ينجحا في إيقاف قيام الشركات بتخفيض الأسعار من (1.6) دولار للبرميل عام 1960 إلى (1.3) دولار عام 1969.

    بعد نجاح ليبيا برفع حصة الحكومة من 50% السائدة في الإمتيازات إلى 55%، وتأميم النفط العراقي بنجاح عام 1972، أخذت قدرة الشركات الكبرى في السيطرة على قرارات الأسعار والتفرد بإدارة الإنتاج تتراجع. دخلت في هذه الفترة في عالم الإنتاج شركات من خارج (الأخوات السبعة) مثل إيني (Eni) الإيطالية وإيراب (Erap) الفرنسية وأوكسيدنتال الأمريكية. ففي مفاوضات إتفاقية طهران شباط عام 1973، نجحت الأوبك في فرض تعديلات فنية على نظام التسعير وفروقات النوعية والموقع الجغرافي، وكان ذلك أول نجاح نسبي للأوبك.

    تم تشكيل لجنة برئاسة وزير البترول السعودي أحمد زكي يماني وعضوية العراق وإيران والكويت وفنزويلا للتفاوض مع الشركات العاملة في دول الأوبك لرفع الأسعار على ضوء تطور الأسعار. وسبق أن قمت بتقديم مذكرة إلى الحكومة العراقية عندما كنت مديراً لتسويق النفط الخام في أواسط 1973 بضرورة قيام الأوبك بمطالبة الشركات العاملة لرفع الأسعار على ضوء تجربة العراق في السوق. كلف المؤتمر الوزاري لجنة فنية بإشراف الوزير أحمد زكي يماني، وعضوية الأمير سعود الفيصل، رئيس الدائرة الإقتصادية في وزارة البترول السعودية، والشيخ علي خليفة الصبّاح، مدير الدائرة الإقتصادية في وزارة النفط الكويتية وأنا، مدير تسويق النفط في شركة النفط الوطنية العراقية. وتوصلت اللجنة إلى التوصية بالمطالبة برفع الأسعار. بعد التداول بين الوزراء عقد إجتماع أخير بين اللجنة الوزارية وممثلي الشركات برئاسة المدير التنفيذي لشركة أكسون في جنيف. وكان الجواب الأخير للشركات بأنها لا تستطيع رفع الأسعار بالشكل الّذي تريده أوبك. وكان رأي اللجنة الوزارية أن يتم تبليغ الشركات أن المؤتمر الوزاري القادم سيتخذ قراره بمعزل عن الشركات ويباشر بالتسعير دون الرجوع إلى الشركات.

    عقد المؤتمر الوزاري للأوبك في شهر تشرين الثاني، نوفمبر 1973 في الكويت، وقرر بالإجماع رفع سعر الإشارة إلى (11) دولار للبرميل. كان هذا المؤتمر هو قمة ما توصلت له الأوبك من السيطرة على زمام الأمور في مختلف مناحي الصناعة النفطية، وليس قرار التسعير فقط. وأخذت شركات النفط الوطنية في دول الأوبك تدير الصناعة النفطية في بلدانها حسب المصالح الوطنية للبلاد.

    في اليوم التالي لمؤتمر أوبك، عقد المؤتمر الوزاري لمنظمة الدول العربية المصدرة للنفط (OAPEC) وجرى فيه إتخاذ قرار استعمال النفط كسلاح للضغط على الولايات المتحدة حتى تجبر اسرائيل على سحب جيوشها المتقدمة تجاه القاهرة إلى ما خلف قناة السويس. وكان قرار المقاطعة ينص على إلتزام الدول المشاركة بتخفيض الإنتاج فوراً بنسبة 25% ومن ثم 5% شهرياً لحين تحقيق الهدف من تلك الإجراءات. أحدث قرار المقاطعة أزمة عالمية في إمدادات النفط. إستغلت إيران شحة الصادرات وأخذت تبيع نفطها بمزايدات تجاوزت حينها (40) دولار للبرميل. وعندما استقرت الأزمة استمرت الأوبك بتسعير نفط الإشارة (العربي الخفيف) بأكثر من (30) دولار للبرميل حتى عام 1986.

    لم تكن الأوبك إحتكار قلة أو كارتيل بالمعنى الإقتصادي. فأعلى نسبة لها في الإنتاج العالمي كان حوالي 50% إلى عام 1974. وحتى ذلك التاريخ كان كارتيل الشركات العالمية الكبرى (I.O.C.) أو الأخوات السبعة هو المسيطر على قرارات الإنتاج والأسعار. وفي اليوم الّذي أخذت الأوبك بيدها قرار التسعير في تشرين الثاني 1973، كان هو اليوم الّذي بدأ فيه أفول الأوبك بعد قرار استعمال النفط كسلاح. تفاقمت أزمة إمدادات النفط وإنفلات الأسعار في ظروف الشحّة. بعد إنتهاء الأزمة بقيت الأوبك في مسارها الإنتحاري بإبقاء الأسعار مرتفعة، وقيام السعودية بدور المنتج المتمم (Residual Supplier)، إذ إنخفضت حصة الأوبك في الإنتاج العالمي من 50% عام 1979 إلى 30% عام 1985. وفي ظل الأسعار المرتفعة فقد النفط الخام حصته في الطاقة الكهربائية بالكامل تقريباً لصالح الفحم الأقل كلفة والطاقة النووية الأكثر ضماناً للدول المستهلكة. وفي ظل الأسعار المرتفعة فسح المجال للنفوط عالية الكلفة في بحر الشمال وألاسكا ومناطق أخرى بإحتلال الأسواق. كما جرت إنجازات كبيرة في كفاءة إستعمالات المنتجات النفطية في البيوت والمصانع.

    لم تصحو الأوبك من إنهيار دورها (ودور النفط الخام) في الأسواق إلا عام 1986، حين تخلت عن قرار تحديد الأسعار لصالح الحفاظ على الأسواق، مما أدى إلى إنخفاض أسعار النفط إلى دون (10) دولارات للبرميل لبعض الوقت... منذ عام 1986 عاشت الأوبك عملياً على الهامش، متابعة للسوق لا قائدة له حتى اليوم.

    وكما قاد الدكتور فاضل الجلبي الرد النظري والعملي على دعوة أدلمان لتخفيض الأسعار، فإنه قاد حملة التحذير من المبالغة في رفع الأسعار بعد عام 1980، وخطورة أن يؤدي ذلك إلى أفول أوبك، ولربما أفول النفط في الأسواق.

 

 

 

سبنسر ديل

    التحق سبنسر ديل بعالم النفط من خلال شركة النفط البريطانية (B.P.) بعد أن كان كبير الإقتصاديين في البنك المركزي البريطاني. دخل سبنسر ديل إقتصاديات النفط من عالم آخر وبفكر منفتح قد لا يتاح للمفكرين من داخل عالم النفط. وقد نجح في تفكيك رموز العالم المتغير للطاقة عموماً والنفط خصوصاً.

    في أول بحث مهم عن النفط نشره ديل عام 2015***، قلب أهم مفاهيم إقتصاد النفط رأساً على عقب:

    أولاً: مقولة أن النفط مادة ناضبة.

           يقابل ذلك أن إحتياطات النفط المكتشفة والّتي ستضاف مستقبلاً لن تنضب، بل أن الطلب على النفط هو الّذي سينضب.

    ثانياً:   منحنيات الطلب والعرض على النفط حادة، بمعنى أن مرونة الطلب السعرية ومرونة العرض السعرية واطئة جداً. وذلك لأن إستعمالات المنتجات النفطية متخصصة ولا تستجيب لتغير الأسعار بسهولة، كما أن الإنتاج محكوم بإستثمارات وفترات حضانة (تطوير) طويلة.

            يقابل ذلك أن النفط المحصور يستجيب بسرعة لتغيرات الأسعار كما أن التقنيات الحديثة تجعل النفط التقليدي أكثر مرونة. كما أن توفر البدائل والتكنولوجيا تجعل الطلب يستجيب لتغيرات الأسعار بمرونة أعلى من السابق.

    ثالثاً: يتدفق النفط من الشرق إلى الغرب.

           يقابل ذلك بعد صعود النفط المحصور في الولايات المتحدة وزيادة إنتاج كندا والبرازيل وإنخفاض الطلب في أوروبا والولايات المتحدة أصبح النفط يتدفق من الغرب إلى الشرق.

 

  رابعاً: تقوم أوبك بالعمل على استقرار وموازنة السوق.

           يقابل ذلك حقيقة أن الأوبك فقدت قدرتها على الإستجابة السريعة لمضاربات السوق، وتكون تدخلاتها أحياناً مسببة لتزايد المضاربات في السوق، خاصة أن حصتها في الأسواق غير حاكمة.

    خلاصة فكر ديل إحتوته ورقته الأخيرة حول "أفول الطلب على النفط وأسعار النفط في الأمد البعيد". **** وأهم ما قاله في هذه الورقة (مع بسام فتوح) هو:

    "إحتمال أفول الطلب على النفط، بالإضافة إلى تجهيزات النفط الوفيرة قادت الكثير إلى الإستنتاج بأن أسعار النفط يحتمل أن تنخفض بشكل لا هوادة فيه مع مرور الوقت".

    خلال عقود من الزمن كان العالم يضيف برميلين من النفط إلى الإحتياطي العالمي الثابت (Proven Reserves) لكل برميل يتم إنتاجه. دق سبنسر ديل آخر إسفين في نعش نظرية عدم كفاية مصادر النفط وإحتمال نضوب النفط. وبالتالي دفن إلى الأبد المنطلقات النظرية للموارد القابلة للنضوب. وأثبت أن هناك الكثير من إحتياطيات النفط المكتشفة والتي ستكتشف لاحقاً، وكثير منها سيبقى في الأرض بعد أن تؤدي التكنولوجيا وأفول استعمال الوقود الأحفوري إلى إنهاء عصر النفط.

    السؤال الّذي لم يجب عليه سبنسر ديل هو متى يبدأ إنخفاض الطلب على النفط. توقف استعمال الهيدروكاربونات السائلة والغازية؟ قد لا يتوقف الطلب على النفط بالكامل. فقد تكتشف البشرية استعمالات مستمرة لهذه الهيدروكاربونات من دون إنبعاثات مضرة.

  لم ينشر سبنسر ديل بحثاً عن الطلب على النفط بعد كورونا. ولكن الشركة التي يعمل فيها (B.P.) خفضت توقعاتها لأسعار النفط في الأمد البعيد من (70) دولار للبرميل إلى (55) دولار للبرميل، وأوقفت عمليات التنقيب في المناطق عالية الكلفة، كما خفضت قيمة موجوداتها (الإحتياطات النفطية والغازية) بعشرات مليارات الدولارات  بإعتبار أن هذه الموجودات ستكون منخفضة القيمة وأنها ستبقى في الأرض دون إنتاج. وتقوم شركات النفط المختلفة بإعادة النظر في سياستها الإستثمارية لأفول الطلب، وتخفض من تقييم موجوداتها، وتوقعاتها لأسعار النفط. 

وضع الاتحاد الأوروبي في تخصيصاته الإنقاذية للأزمة الإقتصادية الناجمة عن جائحة كورونا البالغة 750 مليار يورو مبلغاً مهماً للسياسات الخضراء، ومن ضمنها التخلي التدريجي عن الوقود الأحفوري. كما وعد جو بايدن، المرشح الديمقراطي، إذا تم إنتخابه بتخصيص حوالي (2) تريليون دولار لتحسين البيئة بما فيها بدائل النفط. يشهد العالم، البدء بسياسات التعجيل بإحلال السيارات الكهربائية لتقريب عصر إنهاء إنتاج سيارات الإحتراق الداخلي. وتتقدم شركة تسلا (Tesla) جميع شركات إنتاج السيارات بقيمة أسهمها في السوق بسبب توقع الجميع لها بإختراقات غير مسبوقة في تقنيات البطاريات (بطاريات المليون ميل). كما تنشئ تسلا مصانعها العملاقة لإنتاج البطاريات والسيارات والشاحنات الكهربائية في عدة أماكن في العالم. لا يتوقع أحد أن يعود استهلاك وقود الطائرات إلى ما كان عليه قبل 2020. في البداية يتوقع أن يعاني النقل الجوي من إنخفاض حاد في الطلب. وحتى عند عودة الطلب، سيكون هناك تسارع في الإنتقال إلى نقل جوي أكثر كفاءة وأقل استهلاكاً للوقود الأحفوري. ستتسارع تقنيات زيادة كفاءة جميع الإستعمالات الإحتراقية للوقود الأحفوري، كما ستتسارع تقنيات البدائل الخضراء لمصادر الإحتباس الحراري، وعلى رأسها بدائل النفط. من ناحية أخرى تتسارع الدعوات للحدّ من استعمال المنتجات البلاستيكية.

    أتوقع، ويتوقع معي كثيرون، أن عصر أفول النفط قد بدا بعام 2020، وأن البشرية قد تجاوزت قمة إنتاج النفط الخام عند (100) مليون برميل يومياً عام 2019. هذا في الوقت الّذي تدخل الإنتاج حقول جديدة ودول جديدة، وتعمل دول وشركات على الإستثمار في مصادر جديدة للنفط من غرب أفريقيا إلى شرق أمريكا الجنوبية.

    لربما يكون عالم المنافسة بين المنتجين على الأسواق سوف يبدأ بشكل جدي في زمن ما بعد كورونا. وأن الأسعار ستدور لا محالة حول الكلفة الحدية للإنتاج. ولكن سبنسر ديل يقول أن سعر النفط في الأمد البعيد لن يتحد فقط بالكلفة الحدية للإنتاج بل "سيعتمد أكثر على (الكلفة الإجتماعية) في الدول المنتجة الرئيسية، من إعتماده على الكلفة المادية للإنتاج". يعرّف سبنسر ديل "الكلفة الإجتماعية" بأنها الحاجة للدول المنتجة الكبرى لموازنات لا تغطيها الأسعار المعادلة للكلفة الحدية للإنتاج.

    يقدر بعض الخبراء الحاجة التعادلية لبعض الدول المنتجة إلى أسعار تتراوح بين (120) دولار للبرميل في دول مثل الجزائر و(80) دولار للبرميل في السعودية. فهل تستطيع السعودية، ومن معها، رفع الأسعار في زمن تراجع الطلب؟ حاولت السعودية مع أوبك بلاس (Opec Plus) بعد عام 2015 رفع أسعار النفط بعد إنخفاضها عام 2014، وحققت بعض النجاح في حين كان الطلب على النفط الخام يتزايد. والّذي تحقق بسبب إرتفاع الأسعار هو استحواذ النفط المحصور في الولايات المتحدة بزيادة الإنتاج بحوالي خمسة ملايين برميل يومياً، وانتعش النفط الرملي في كندا ودخل عدد من المنتجين الجدد إلى الأسواق على خلفية الأسعار العالية، مما يذكرنا العمل الإنتحاري للأوبك بالحفاظ على الأسعار بدل الحفاظ على الأسواق للفترة ما بعد 1980. أما بالنسبة إلى العراق فإنه حرم بموجب إتفاق تخفيض الإنتاج من تطوير إنتاجه إلى (6) براميل يومياً أو أكثر في تلك الفترة.

    بين عام 1980 وعام 1986 حافظت أوبك على سعر كان شديد الإرتفاع في ذلك الحين، فإنخفض إنتاج الأوبك من أكثر من ثلاثين مليون برميل يومياً إلى النصف، وتحملت السعودية العبء الأكبر بإعتبار نفطها (العربي الخفيف) هو نفط الإشارة، وإنخفض إنتاجها إلى النصف، مما دفعها إلى قيادة عملية العدول عن سياسة الحفاظ على السعر إلى سياسة الحفاظ على السوق عام 1986. وفي كلا الفترتين (1980/1986 – 2015/2019) كان الطلب على النفط يتزايد. ولكن إصرار السعودية ومن معها على الحفاظ على الأسعار لّلحاق بما يشبه "الكلفة الإجتماعية" لم يحقق لها لإستدامة في الأسعار ولإستدامة في الإنتاج في آن واحد.

    في زمن أفول النفط ستتزايد المنافسة، ولن يكون بإمكان السعودية وروسيا ومن معها الحفاظ على الأسعار إذ سرعان ما يستحوذ الآخرون على حصصهم في الأسواق المتراجعة بالمضاربة السعرية ودفع الأسعار حتماً إلى الإنخفاض دون الكلفة الحدية أحياناً لإسترجاع الكلفة التشغيلية عند المنتجين الّذين استثمروا في الإنتاج وأصبحت كلفهم الرأسمالية غارقة في الأرض. وفي زمن أفول الطلب على النفط سيكون من المستحيل على منتج أو عدد من المنتجين رفع الأسعار فوق الكلفة الحدية للإنتاج دون أن ينهار إنتاجهم إلى الحد الّذي تكون فيه خسارة الكمية أكبر من الربح السعري، حتى وإن كان هناك أي إمكانية لتحقيق زيادة في الأسعار.

    ليس من المنطقي نظرياً وعملياً أن يكون هناك في المستقبل دور لمفهوم "الكلفة الإجتماعية" في تحديد الأسعار في المدى البعيد.

    يعرّف سبنسر ديل الكلفة الإجتماعية (Social Cost) بأنها حاجة الدول المنتجة إلى إيرادات لتغطية موازناتها إلى حين تطوير قطاعاتها غير النفطية لتقليل الإعتماد على الريع النفطي. ويقول أن "قدرة الإقتصاديات المنتجة للتحول إلى استراتيجية تنافسية على أساس (كميات عالية، وأسعار واطئة) يعتمد على الكلفة الكلية لديهم وبضمنها الكلفة الإجتماعية". ولكن ديل لا يخبرنا كيف تستطيع هذه الدول المنتجة التوفيق بين رغبتها في تغطية الكلفة الإجتماعية، والعوامل الموضوعية للمنافسة في السوق في حين تتزاحم فيه الكميات المتدفقة إلى سوق تميل إلى الإنكماش. المتنافسين الآخرين لن ينتظروا دول مثل السعودية والعراق لحين تنجح في تنويع إقتصادياتها إلى الحد الّذي تتعايش فيه بأسعار لا تغطي الكلفة الإجتماعية.

    عند الكلام عن "سعر" النفط الخام، لا بد أن يكون الكلام عن سعر مرجعي، تتساير معه الأسعار الفعلية لكل نوع من النفوط، وبكل موقع جغرافي. وكذلك عند القول أن أسعار النفط تتحدد بالكلفة الحدية لأعلى النفوط كلفة، عند مستوى التعادل بين العرض والطلب، فإن ذلك سيتجلى بصور مختلفة. بالنسبة لشركات القطاع الخاص، وبالذات في حقول النفط المحصور في الولايات المتحدة، وعندما تتزايد خسائر هذه الشركات، عندها تكون الكلفة أعلى من السعر لفترة من الزمن، عند ذلك فإن البئر أو الحقل أو الشركة المنتجة ستتوقف عن الإنتاج. أما بالنسبة إلى البلدان التي تحتوي على حقول متفاوتة الكلفة، فإن السياسة الإنتاجية فيها قد تستمر بتحمل خسائر الآبار أو الحقول عالية الكلفة إلى حين. وفي جميع الأحوال، وبمرور الزمن لا بد أن يتوقف إنتاج الكثير من الرمل الزيتي في كندا، وبعض النفط المحصور في الولايات المتحدة، وبعض النفوط العالية الكلفة، وخاصة في أعالي البحار.

    عند تزايد الطلب تتحدد الأسعار بالكلفة الأعلى لمناطق الإنتاج اللازمة لسد الطلب المتزايد مما يستوجب إضافة إنتاج جديد من آبار أو حقول أعلى كلفة  مما قد يؤدي إلى زيادة الأسعار. أما عندما ينخفض الطلب، ينتقل الإنتاج من الآبار والحقول الأعلى كلفة إلى الأوطأ كلفة. هذا يعني أن الأسعار في الأمد الطويل في ظروف إنخفاض الطلب تتجه إلى الإنخفاض، ولا يبقى في السوق إلا المنتج الّذي تكون كلفته الحدية مساوية للسعر وأقل منه.

 

 

الإستنتاجات

    من أدلمان (1965) إلى سبنسر ديل (2018)، ورغم أن الإثنين يتكلمان عن أن السعر يساوي الكلفة الحدية للإنتاج، فإن أسعار النفط لم تستقر في يوم من الأيام حول الكلفة الحدية للإنتاج.

    طالما كانت الدول المستهلكة الكبرى تتدخل في عمليات التنقيب عن النفط، سواء داخل الولايات المتحدة أو في خارجها. وبعد ذلك بقيت الحكومة الأمريكية تتابع مصالح الشركات الأمريكية مما ضمن مشاركتها في إمتيازات فارس والعراق ومن ثم استحواذها على نفط السعودية. الإنقلاب في إيران على التأميم الّذي قامت به حكومة مصدق بإشراف وكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية والمخابرات البريطانية من أشهر تلك التدخلات. وكانت حكومة بريطانيا هي الأكثر تدخلاً في الشرق الأوسط، من إهتمام ونستون تشرشل بتحويل الأسطول البحري من الفحم إلى النفط بعد الحرب العالمية الأولى، إلى وصايتها على العراق ورعايتها لإتفاقية إمتيازات النفط في العراق عام 1925، وإلى حرب السويس عام 1956.

    طوال الفترة من بدايات إنتاج النفط في الشرق الأوسط حتى نهاية عام 1973 كانت الأخوات السبعة (Seven sisters) تمثل كارتيل بإشراف حكومات الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ودول أخرى، تقرّ بشكل إحتكاري وقرارات الإنتاج والأسعار في الدول التي تعمل فيها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وفنزويلا.

    عندما حاولت أوبك أخذ زمام التسعير بيدها في تشرين الثاني عام 1973، ورفعت سعر نفط الإشارة (العربي الخفيف) إلى (11) دولار للبرميل، لم يدم ذلك القرار سوى يوم واحد. ففي اليوم التالي قررت دول الأوابك (OAPEC) الخليجية تخفيض الإنتاج وفجّرت أكبر أزمة نفطية في تاريخ الصناعة. أدى ذلك القرار إلى زوبعة تصاعدية في الأسعار بسبب شحّة المعروض. وفي فوضى الأسعار الناجمة عن ذلك فقدت أوبك السيطرة على قرار التسعير. وبعد أن استقر السوق وعلّق قرار المقاطعة، دخلت أوبك في مفارقة جديدة هي أن الإستمرار بسعر مبالغ فيه في ذلك الوقت (حوالي 30 دولار للبرميل) أدى إلى فقدانها السيطرة على حصتها في السوق. وعندما أفاقت الدول المصدرة من صدمة ضياع الأسواق عام 1986، فقدت السيطرة على الأسعار التي إنخفضت دون عشرة دولارات للبرميل. بعد عام 1986 بقيت أوبك إلى يومنا هذا متقلبة بين "الحفاظ على الأسعار" و"الحفاظ على الأسواق".

    السؤال المطروح اليوم هو: هل سيحدث تغير في طريقة تحديد أسعار النفط في الأمد البعيد؟ وهل سيكون ذلك التغير بإرتباط الأسعار بالكلفة الحدية للإنتاج؟

    من أدلمان إلى ديل ينظر المنظرون بالقول أن سعر النفط لا بد أن يرتبط بالكلفة الحدية للإنتاج. ويناقض الواقع دائماً تلك النظريات.

    ما بعد كورونا، وفي الأمد المتوسط – وليس البعيد- ستزداد المنافسة بين المنتجين والمصدرين. وستزداد هذه المنافسة حدة على خلفية أفول عصر النفط وإنخفاض الطلب. قال سبنسر ديل عام 2015، "إن ردة الفعل العقلانية (لإنخفاض الطلب) هي قيام الأوبك بالحفاظ على حصتها في السوق (والقبول بأسعار منخفضة)، ودفع المنتجين عاليّ الكلفة... لتحمل وطأة إنخفاض الطلب". كان ذلك الكلام قبل كورونا وقبل تزايد إحتمالات أفول الطلب على النفط. ولا أعرف من أين جاء سبنسر ديل عام 2018 بإضافة "الكلفة الإجتماعية" (Social Cost) إلى عناصر السعر في المدى البعيد.

    أعتقد، ويعتقد كثيرون معي، أن أفول النفط قد بدأ، وسيبدأ معه بعد كورونا التنافس على أسواق منكمشة. وعند ذلك لن تستطيع السعودية، ولا أي مجموعة معها، الإستمرار في سياسة "الحفاظ على الأسعار". وستضطر جميع الدول المصدرة للتنافس على أسواق منكمشة. ولن يطول الوقت أكثر من سنين قليلة حين لن تتمكن سياسات "حصص الإنتاج" أو "تخفيض الإنتاج" من الحفاظ على الأسعار. وسرعان ما سيؤدي التنافس على الأسواق ليتحقق لأول مرة في تاريخ الصناعة النفطية أن تعود الرابطة الحتمية بين الأسعار والكلفة الحدية. وسيتحمل أصحاب الكلف العالية المصير الحتمي للخروج التدريجي من الأسواق.



*   Maurice Adelman, Oil production Cost in Four Areas, M.I.T., 1965.

** - فاضل الجلبي وعدنان الجنابي -  Journal of Energy Development, No.2, 1979 ,Optimum Production and Pricing Policies

 *** Spenser Dale, New Economics of Oil, The Oxford Institute For Energy Studies, 2015.

****Spenser Dale and Bassam Fattouh, Peak Oil Demand and Long - Run Oil Prices, Oxford Institute For Energy Studies, 2018.

 

 


مركز البحوث والدراسات العراقية
© 2013 جميع الحقوق محفوظة
تصميم وتطوير Mirage Telecom